أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
56
نثر الدر في المحاضرات
نخاطر بكم في قتال ، ولا نبذلكم دون أنفسنا ، واللّه عليّ شهيد بالوفاء والاجتهاد ، وعليكم بالسمع والطاعة . ووقّع إلى كاتب جنده - وقد شغبوا عليه بالأنبار - : بلّغ المفترين عني ، أبرمتم بأعجاركم ، أم عظمت نعمة اللّه عليكم في دينكم ودنياكم ؟ فلا تكونوا عظة العقلاء ، وزريّة الجهلاء ؛ فتحبط أعمالكم ، وتخيب آمالكم ، والعطاء غير مؤخر عن وقته إن شاء اللّه . ودخل عليه عبد اللّه بن حسن بن حسن ، ومعه مصحف ؛ فقال : يا أمير المؤمنين ؛ أعطنا حقّنا الذي جعله اللّه لنا في هذا المصحف . وكان المجلس غاصّا ببني هاشم وغيرهم ؛ فأشفق الناس من أن يعجل السفاح إليه ، أو يعيا بجوابه ؛ فيكون ذلك عارا عليه . قال : فأقبل عليه غير مغضب ولا منزعج ، فقال : إنّ جدّك عليّا كان خيرا منّي وأعدل . ولي هذا الأمر ؛ فأعطى جدّيك الحسن والحسين ، وكانا خيرا منك شيئا ، وكان الواجب أن أعطيك مثله ؛ فإن كنت قد فعلت فقد أنصفتك ، وإن كنت زدتك فما هذا جزائي منك ، فما ردّ عبد اللّه جوابا ، وانصرف والناس يتعجبون من جواب السفاح . المنصور « 1 » ذكر يوما ملوك بني مروان ؛ فقال : كان عبد الملك جبارا لا يبالي ما صنع ، وكان الوليد لحانا مجنونا ، وكان سليمان همّه بطنه وفرجه ، وكان عمر أعور بين عميان ، وكان هشام رجل القوم . لما اتصل به خروج محمد وإبراهيم - رضي اللّه عنهما - شنّ عليه درعه ، وتقلّد سيفه وصعد المنبر ؛ فحمد اللّه وأثنى عليه وقال « 2 » : [ البسيط ] ما لي أكفكف عن سعد وتشتمني * ولو شتمت بني سعد لقد سكنوا جهلا علينا ، وجبنا عن عدوّهمو * لبئست الخلّتان : الجهل والجبن
--> ( 1 ) هو الخليفة أبو جعفر المنصور ، ثاني خلفاء بني العباس ، بويع له بالخلافة بعد أخيه أبي العباس السفاح في ذي الحجة سنة 136 ه ، وتوفي سنة 158 ه ( البداية والنهاية 10 / 126 - 133 ) . ( 2 ) البيت الثاني لقعنب ابن أم صاحب في لسان العرب ( وزن ) .